ابن الزيات
162
التشوف إلى رجال التصوف
ثم أشكلت على منه جملة مسائل . فلم أجد من يشفى صدري منها . فعزمت على الرحلة إلى بلاد المشرق لفهم الكتاب المذكور . فسافرت إلى مدينة بجاية ، وعزمت على دخول البحر في جمع كثير . فسجن الوالي كل من عزم على التوجه إلى المشرق فهربت أنا وصاحب لي في الليل من السجن ورجعت إلى فاس فبلغني أنه قتل جميع المسجونين الذين كنت معهم ببجاية . ثم طلب بعض الرؤساء من أرباب الدولة أستاذا لبنيه يقرئهم النحو ويحمله معه إلى حضرة مراكش . فدله المستشار في ذلك علىّ . فلما وصلت معه مراكش أنزلني في دار خالية فقمت لأتوضأ في الليل فرأيت في وسط الدار جنيّا فشجعت نفسي وأتيت إلى البئر فأرسلت فيها الدلو . فأخل يديه في البئر يخوض الماء ويلعب به . فأفرغت الدلو في الإناء فجعل يلعب بيديه فيه . فلما توضأت قلت في نفسي : أتقدمه إلى البيت فأغلقه على نفسي لأن الشيطان لا يفتح مغلقا ، فسبقني هو إلى البيت . فاستقبلت القبلة لأصلى فأمسك بذقنى فبقى فمي مفتوحا لا أقدر على سده ولا على الحركة إلى أن طلع النهار فانصرف عنى . فتركت الأبواب في الليلة المقبلة مفتوحة فلم يظهر لي شئ . ثم ذكر قصة طويلة انتهى فيها إلى أنه لقى أبا الحسن علي بن أحمد اللخمي المعروف بابن الإشبيلي وكان له بصر وخبرة بكتاب الإرشاد . فلازمه مدة يسيرة حصل له فيها فهم « الإرشاد » وفتح عليه كل ما انغلق عليه من معانيه . فعاد إلى مدينة فاس فزهد في الدنيا وأهلها وانتصب لتعليم العلم محتسبا إلى أن لحق باللّه تعالى [ الطويل ] : إذا العلم لا تغشى غرائبه قلبي * ولا شاقنى منه إلى المنهل العذب ولا أنا ممّن جاوز الدّرب ناهضا * إليه ولا أرضى مقامي من ربّ ولا كان حظّى منه إلّا حكاية * على النّاس أتلوها فحسبى إذا حسبي أليس عجيبا أنّ نفسي حقيقتي * وما سلمها سلمى ولا حربها حربي